كانت الغرفة الاقتصادية في محكمة عمان الابتدائية قد أصدرت حكماً قضائياً مستحدثاً تناولت فيه موضوع امتداد شرط التحكيم في عقود المقاولة، ولما لهذا الحكم من أهمية نستعرضه على النحو التالي.

تتلخص واقعة الدعوى بأن  المدعية أقامت دعواها بمواجهة المدعى عليها مطالبة اياها بمبلغ يتجاوز ال30 مليون دولار أمريكي، وقد تمسكت المدعية في لائحة دعواها أنها تقيم هذه الدعوى بالنيابة عن شركة (س) بموجب أحكام الدعوى غير المباشرة وفق منطوق المادتين 366، 367 من القانون المدني الأردني.

المادة 366: (1) لكل دائن ولو لم يكن حقه مستحق الاداء ان يباشر باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين الا ما كان منها متصلا بشخصه خاصة او غير قابل للحجز. (2) ولا يكون استعمال الدائن لحقوق مدينه مقبولا الا اذا أثبت ان المدين لم يستعمل هذه الحقوق وان اهماله من شأنه ان يؤدي الى اعساره ويجب ادخال المدين في الدعوى.

المادة 367: يعتبر الدائن نائبا عن مدينه في استعمال حقوقه وكل نفع يعود من استعمال هذه الحقوق يدخل في اموال المدين ويكون ضمانا لجميع دائنيه.

ووضحت المدعية  أن المدعى عليها الشركة (ص) سبق أن ارتبطت مع شركة (س) بعقد مقاولة لغايات انشاء بناء، وأنه على هامش ذلك العقد وتنفيذاً للالتزامات الواردة فيه قام البنك (ع) بناء على طلب شركة (س) بإصدار كفالتين لمصلحة المدعى عليها (ص) على النحو التالي:

  • كفالة حسن أداء بقيمة 20 مليون دولار تقريباً.
  • كفالة الدفعة المقدمة بقيمة 11 مليون دولار تقريباً.

وأنه وعلى الرغم من قيام شركة (س) بتنفيذ التزاماتها وتسليم المشروع للمدعى عليها على أن هذه الأخيرة قامت بدون وجه حق -حسب زعم المدعية- بتسييل الكفالتين المشار اليهما من خلال توجيه طلب للبنك مصدر الكفالتين، ومن ثم الاستيلاء على المبلغ المذكور.

وبالنتيجة، طالبت المدعية برد قيمة الكفالتين التي استولت عليهما الشركة المدعى عليها لمصلحة شركة (س).

وأشارت المحكمة الى أن  عقد المقاولة الذي يربط شركة (ص) مع شركة (س) تضمن التزام هذه الأخيرة بإصدار كفالة الدفعة المقدمة وكفالة حسن التنفيذ، كما حددت الاتفاقية نطاق التزامات كل طرف وحقوقه.

وأن الاتفاقية تضمنت أن يحال أي خلاف أو نزاع لم يتم حله في غضون أربعين يوماً بعد تقديم اشعار الخلاف سواء تم عقد اجتماع الخلاف أو لم يتم بناءً على طلب أي من الفريقين في غضون عشرة أيام بعد انتهاء فترة الاربعين يوماً أن يحال الى التحكيم وفق الأحكام المنصوص عليها في تفاصيل العقد (الأحكام) أمام هيئة تحكيم تتألف من ثلاثة محكمين واحد يسميه صاحب العمل وآخر يسميه المقاول وثالث يتم تعيينه من قبل المحكمين المعينين وفقاً للأحكام. ويكون مكان التحكيم في الدولة وتكون لغة التحكيم هي اللغة الانجليزية. يتنازل الفريقان عن أي حق في الاستئناف أمام أي محكمة في أي ولاية قضائية بقدر ما يمكن اجراء هذا التنازل بشكل صحيح.

كما تضمنت أنه يجب أن تكون قواعد التحكيم وفقاً لقواعد الاونسيترال للتحكيم (UNCITRAL).

وبينت المحكمة في حكمها أن المدعية لم تقم دعواها بصفتها الشخصية وانما اقامتها مستعينة بقواعد الدعوى غير المباشرة وفاقاً لأحكام المادتين 366 و367 من القانون المدني وأكدت انها تستهدف من دعواها اعادة المبالغ المدعى بها الى الضمان العام لشركة (س)، لا بل وصرحت انها تقيم الدعوى بالنيابة عن هذه الأخيرة.

وأشارت المحكمة أن المشرع الاردني نظم الدعوى غير المباشرة كوسيلة تضمن للدائن حق اقامة الدعوى عن مدينه المهمل قبل مدين هذا الأخير بما يضمن زيادة الضمان العام وتحصيل الحقوق التي يتقاعس المدين المهمل عن اتخاذ ما يلزم لتحصيلها.

ومن ثم خلصت الى أنه في ظل هذه المكانة التي أقامت المدعية نفسها فيها، فإن مقتضيات الدعوى المباشرة وفق صريح نص المادة 367 من القانون المدني أن المدعي في الدعوى المباشرة انما يتولى المطالبة بحقوق مدينه نيابةً عنه.

وتابعت أنه ولما كان المدعي في ظل الدعوى المباشرة ينوب نيابة قانونية عن مدينه، فإن مؤدى ذلك أنه يحق للمدعى عليه (مدين المدين) أن يتمسك قِبَلَ المدعي بسائر الدفوع القانونية التي يملكها في موجهة المدين.

وأسندت رأيها بما ورد على لسان الدكتور عبد الرزاق السنهوري في هذا المقام:

"والاثار التي تترتب على الدعوى غير المباشرة تتركز كلها في فكرة أساسية هي نيابة الدائن عن المدين كما سبق القول، والنيابة هنا نيابة قانونية....."

(الدكتور عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، المجلد الثاني، نظرية الالتزام بوجه عام، الاثبات- آثار الالتزام، دار احياء التراث العربي، بيروت، ص 269)

وقررت المحكمة نتيجة لذلك  أن مفهوم النيابة القانونية المقررة في المواد 108-115 من القانون المدني هي الواجبة الانطباق في العلاقة بين النائب والمدين، ويكون لهذا الأخير التمسك أمام النائب بسائر ما يحيط التزامه من شروط/ أوصاف بمواجهة الأصيل، وهذا بطبيعة الحال ينسحب على شرط التحكيم.

ونقلت عن الدكتور فتحي والي قوله بأنه:

"اذا حدث حلول في الالتزام فإن الحلول يتضمن حلولاً في شرط التحكيم ولهذا فإنه ان قام شخص من الغير بوفاء الدين وحل محل الدائن المستوفى حقه في دعواه ضد المدين، فإن هذا الغير سواء كان حلوله بنص القانون أو باتفاق بينه وبين الدائن أو المدين يتقيد باتفاق التحكيم بين الدائن والمدين، فيحل محل الدائن في هذا الاتفاق عند رجوعه بالحق على المدين حالّا محل الدائن في حقه."

(الدكتور فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى 2007، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص 167-168).

كما أوردت على لسان الكاتب ذاته أنه:

"وتطبيقاً لذلك حكم بأن شرط التحكيم الوارد في العقد من الباطن المبرم بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن بشأن المنازعات المتعلقة بتنفيذ العقد يمتد الى كل منازعة تتصل بدعوى المطالبة عما تم تنفيذه من الاعمال موضوع العقد ومنها مطالبة المقاول من الباطن المقاول الأصلي بما هو مستحق في ذمته لرب العمل."

(الدكتور فتحي والي، الوسيط في التحكيم الوطني والتجاري الدولي، علماً وعملاً، الجزء الاول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2021، ص 292 وما يليها)

وأضافت المحكمة على لسان المؤلف ذاته:

"لا مشكلة اذا كان رجوع أحد طرفي العقدين على الطرف في العقد الآخر بالدعوى غير المباشرة، وكان العقد الآخر يتضمن شرط تحكيم، إذ عندئذٍ يكون الدائن مستعملاً حق مدينه الناشئ عن عقد يتضمن شرط تحكيم، ويلتزم الدائن بهذا الشرط الذي يقيد حق مدينه."

(الدكتور فتحي والي، الوسيط في التحكيم الوطني والتجاري الدولي، المرجع السابق، ص 317)

وبالنتيجة، خلصت المحكمة إلى أنه ولطالما أن المدعية في دعواها تقمصت دور مدينها، وأقامت دعواها نيابة عنه بالاستناد الى أحكام الدعوى المباشرة (بالنيابة عن شركة س) فهي والحالة هذه تكون عرضة للدفوع كافة التي توجه لشركة (س)، ويكون تمسك المدعى عليها بمواجهتها بشرط التحكيم مسلك صحيح فيما لو توافرت شرائط قيام شرط التحكيم. 

لقد تضمن حكم المحكمة رداً على سائر دفوع المدعية المتعلقة بالرد على التمسك بوجود شرط التحكيم،  والتي من ضمنها اشارتها الى لزوم أن يكون شرط التحكيم مكتوباً ومتفقاً عليه بين طرفيه فقط فبينت المحكمة أن هذا أمر صحيح تماماً، ذلك أن المشرع ومن بعده قضاء محكمة التمييز الموقرة قررا في غير موقع لزوم كتابة شرط التحكيم، وهو أمر لا جدال فيه، ولا في مضامينه، وأكدت المحكمة في ذلك المقام أنها بصدد شرط تحكيم مكتوب، ورد صراحة في منطوق بنود عقد المقاولة المبرم بين شركة (س) وشركة (ص).

وكررت المحكمة التأكيد أن هذه الصورة من صور الدعاوى (الدعوى غير المباشرة) يقوم فيها المدعي بتمثيل مدينه (شركة س)، مما يعني أن شرط التحكيم المتطلب في هذا المقام هو المبرم بين شركة س والمدعى عليه شركة ص وهو الأمر الذي تثبتت المحكمة من تحققه وقيامه.

واستعرضت المحكمة في حكمها أبحاثاً في مجال امتداد شرط التحكيم اضافة الى قرارات قضائية صادرة عن محكمة التمييز قضت في حالات أخرى بامتداد شرط التحكيم.

وبالنتيجة، قررت المحكمة رد الدعوى لعلة التمسك بشرط التحكيم وتضمين المدعية الرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة. 

هذه السابقة القضائية، والتي تشكل أول حالة يقرر فيها القضاء الاردني مدّ مفعول شرط التحكيم الوارد في عقد المقاولة لغير طرفيه، تمثل منهجاً جديداً يصب في تفعيل منطوق شرط التحكيم لغير طرفي اتفاق التحكيم في حالات محددة ووفق ضوابط صارمة، وهو مسلك نقره وفق ما بني عليه من علل وأسباب.

بقلم: المحامي محمد الشريده

The content of this article is intended to provide a general guide to the subject matter. Specialist advice should be sought about your specific circumstances.